الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

306

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الآية التي تليها تبدأ من توحيد الربوبية وتنتهي بتوحيد الخالقية والربوبية . فتقول أولا : ذلكم الله ربكم ومربيكم الذي من صفاته أنه : خالق كل شئ . ولا معبود إلا الله : لا إله إلا هو . في الواقع إن وجود كل هذه النعم دليل على الربوبية والتدبير ، وخالق كل شئ عنوان لصفة التوحيد في الربوبية ، لأن الخالق هو المالك والمربي . ومن المعلوم أن الخلق يستدعي الرعاية الدائمة لأن الخالقية لا تعني أن الله يخلق الخلق ويتركها وشأنها ، بل لابد وأن يكون الفيض الإلهي مستمرا في كل لحظة على جميع الموجودات . ولذلك فهذه الخالقية لا تنفصل عن الربوبية . ومن الطبيعي أن هذا الإله هو الوحيد الذي يستحق العبادة ، وأن ترجع إليه الأشياء . لذا فإن جملة خالق كل شئ تعتبر الدليل ل‍ ذلكم الله ربكم وإن لا إله إلا هو هي النتيجة لذلك . وتتسائل الآية في نهايتها : كيف يسوغ الإنسان لنفسه الانحراف والتنكب عن الجادة المستقيمة ؟ فيقول تعالى : فأنى تؤفكون ( 1 ) . ولماذا تتركون عبادة الله الواحد الأحد إلى عبادة الأصنام ؟ والملاحظ أن " تؤفكون " صيغة مجهول ، بمعنى أنها تحرفكم عن طريق الحق ، وكأن المراد هو أن المشركين فاقدون للإرادة إلى درجة أنهم يساقون في هذا المسير دون اختيار أي نسبة من الحرية والإرادة والاختيار في هذا المجال ! الآية الأخيرة - من مجموعة الآيات التي نبحثها - تأتي وكأنها تأكيد لمواضيع الآيات السابقة ، فيقول تعالى : كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله

--> 1 - " تؤفكون " من " إفك " وتعني الانحراف والرجوع عن طريق الحق وجادة الصواب . ولهذا السبب يقال للرياح المضادة " المؤتفكات " . ويعبر عن " الكذب " ب‍ " الإفك " بسبب ما فيه من انحراف عن بيان الحق .